فنجان القهوة الأول مع المخرجة الفلسطينية وفاء جميل

اليوم سنشرب فنجان القهوة الأول مع مخرجة فلسطينية أبدعت في نقل واقع الشعب الفلسطيني وبدون أي تصنع. فيلم “قهوة لكل الأمم”  من إخراج الفلسطينية وفاء جميل. يتحدث الفيلم الوثائقي عن قصة حبّ عبد الفتاح لأرضه في فلسطين وتعلّقه في المغارة التي ورثها عن أجداده. في هذا الفيلم رافقت المخرجة وفاء جميل وطاقمها عبد ومغارته… مغارته البسيطة بحجمها والعظيمة في مكانتها التاريخية ليس لعبد ولا لأهالي مخيم دهيشة ومدينة بيت لحم فقط… وإنما هذه المغارة تحمل في طيّاتها أكثر من ذلك… هذا الكهف الكنعاني القائم منذ أكثر من 4000 عام، قد حضن الكثير من الأجانب والسيّاح بين جدرانه وبين رائحة الزرع  المحيطة به الممزوجة بقهوة عبد والتي كان يقدمها لجميع الزوّار بدون تفرقة… لأنه آمن بالسلام… ولكن السلام لم يلاقيه على الأرض: بداية، في المغارة التي كانت رمز صمود عبد أمام محاولات الاحتلال لنهبها منه… وفشلوا لفترات طويلة لأن عناده وإخلاصه للقضية كانا أقوى من افتراءات هذا المحتل الذي لا يرحم… ومع ذلك وللأسف كالعادة وببساطة هدموا المغارة وكلّ ما أحاط بها بدون أي مبرر سوى الاحتلال… وبعد مشاهدة الفيلم الوثائقي ضمن افتتاحه في مهرجان دبي السينمائي الدولي الحادي عشر… عايشنا جميعنا قصة عبد وتأثرنا به… ووضعتُ خطة بأنه خلال رحلتي القادمة لفلسطين سأسارع للالتقاء به… لكن يحزنني القول الآن بأن عبد فارقنا… فارق أرضه وعائلته… والحياة… يوم افتتاح عرض الفيلم … علّ روحه تجد السلام في السماء.. رحمة الله عليك…

كانت وصية عبد أن يُدفن في أرضه ولكن حتى بعد وفاته أحاطت قوات الاحتلال أرض عبد في مُحاولات لمنع دفن جثمانه الطاهر هناك… مطرح ما كان في زمان مغارة…

أطلت في المقدمة هذه المرة فقط لأنني شعرت من الواجب إلقاء الضوء على عبد.

عبد الفتاح عبد ربه..بطل فيلم قهوة لكل الأمم… توفي يوم الثلاثاء 16.12.2014

رحم الله روحك يا عبد

–           بداية ست وفاء، كيف تحبّين قهوتك؟

قهوتي العربية التي تعكس مزاجي أحبها قهوة سادة بدون سكر وبدون هال واهم شيء تكون ثقيلة وبدون وجه.

–           سأقول لكِ أولاً بأننا شعرنا في هذا الفيلم وكأننا عايشنا واقعاً لا فيلماً وثائقياً، لدرجة ازددنا فيها اشياقاّ وحنيناّ لفلسطين. لقد أبدعتِ في نقل فلسطين لنا في الغربة.

أنا في حنين دائم للبلد سواء في المهجر أو حتى عند تواجدي في البلد… وأحببت التعبير عن هذا الحنين بشكل غير تقليدي لأوصل رسالتي أيضاً للناس.

 

–           أخبريني، هل الفكرة أوجدت الفيلم أم العكس؟

 

كأي مخرج فلسطيني أو عالمي هناك دائماً عملية بحث عن موضوع جيّد يهم الشارع الفلسطيني والعالمي، وحين تتكامل جميع العناصر هنا تبدأ القصة. أنا متابعة للأخبار وكان هنالك تقرير يخص قصة عبد ولكنّي شعرت ومع خلفيتي في الصحافة المكتوبة بأن هذه القصة لشخص مميز وهو عبد تستحق لأن تكون فيلماً.

بدأت القصة بعد عملية بحث طويلة لجمع المعلومات عن عبد ومحاولات الوصول إليه. إذ لم يكن الوصول إليه سهلاً لأنه كان في منطقة معزولة. وعند أول يوم تصوير المخابرات الاسرائيلية حجزتني لثلاث ساعات وكان الجو شتاء… وكأن المخابرات الإسرائيلية (الاحتلال) دائماً في المرصاد وعلى دراية بكل ما يحيط بعبد. ولهذا كان عبد دائم الحذر حتى مع بعض الناشطين الذين حاولوا التواصل معه ليوقع على بعض المشاريع الصغيرة، ولكنه دائماً يرفض لتوقيع أي أوراق لأنه مدرك تماماً للوضع، وحاولت أن أظهر مشهداّ بسيطاً يعكس هذا الواقع… وبالرغم من هذه الظروف المحيطة، عبد كان يؤمن بالسلام واستقبل الناس من كلّ الأمم في أرضه ليقدّم لهم القهوة.

–           كيف كان قبوله للفكرة؟

عبد يستقبل أي شخص ولكنه لا يثق بأي شخص بسهولة. وسبب وضع ثقته بي هو أنني تواصلت معه عن طريق د.هاني الحروب وهو شخص له مكانته في مخيم دهيشة وبالتالي وافق عبد على التعامل معي. ولم أطلب من عبد توقيع أية أوراق احتراماً لحساسية الموضوع واعتمدنا أسلوب الموافقة الشفوية. ومع الوقت عبد أصبح صديقاً وحتى كان يعاملني كأخته الصعيرة.

–           ما هي الصعوبات التي واجهتك أنتِ وطاقم التصوير خلال العمل ؟ وهل من الممكن أن الصعوبات زادت ليس لأنك فلسطينية فقط وإنما أيضاً لكونك امرأة؟

أنا بطبيعتي أتعامل بطريقة مهنية وكوني امرأة لايهم… ولكن في أحد الأيام اضطررت لأقوم بالتصوير عن زميلي وأخذني الوقت وتأخرت ولم يكن لدي إرسال والطريق أخذني ثلالث ساعات بدل ساعة ونصف.. وعلى الرغم من وجود الكاميرا معي ولكن كانت هنالك نظرات استغراب دائماً تلاحقني في الشارع أو التاكسي. وأيضاً حاول الاسرائيليون مراراً عرقلة وصولنا لعبد، ولكن كنا نصله في النهاية وكانت دائماً هذه لحظة انتصار بالنسة لي.

ولكن الحادثة التي فعلاً أزعجتني هي عندما كنت أعمل مع طاقم الإنتاج كمديرة الإنتاج وكنّا في مرحلة تجهيز الفيلم في مراحله الأولية، وجميع المواد كانت مخزنة على الحاسوب ونسخة إضافية أيضاً على القرص الصلب، ولكن للأسف سُرقت هذه المواد ولم يتبق شيء منها، وحينها شعرت بالخذلان لأنني كنت قد قدمت طلب الاشتراك في مهرجان دبي السينمائي وكان ايضا هنالك العائق المادي، إذ الحصول على التمويل لم يكن سهلاً أبداً لأن الموضوع فلسطيني بحت وبامتياز. وللأسف لا توجد أي جهة فلسطينية تدعم الأفلام وأنا ليس لدي الاستعداد لأتردد لأي سُلطة فلسطينية أو لحزب سياسي لدعم الفيلم لأنني لا أؤمن بهم. الشيء الوحيد الذي حاولته هو التواصل مع السُلطة لمساعدة عبد ولكن للأسف فشلتُ ولم يتجاوب أحد.

إذ كان عندي موعد مع أحد الشخصيات المهمة والبارزة والذي أظهر حماسه تجاه الفيلم ليساعدني أنا وعبد، ولكن عند اقتراب الموعد اعتذر بحجة أنه في زيارة مع الرئيس، وأنا أعرف أنه يكذب إذ في تلك الفترة كان عنده خلاف مع مكتب الرئيس. لم يهمّني الموضوع كثيراً وتابعت عملي لأنني منذ البداية لم أؤمن بشخصياتنا السياسية. تواصلتُ معهم فقط لمساعدة عبد ليرتاح قليلاً ومع ذلك لا نتيجة. وها هو توفي في نفس يوم عرض افتتاح الفيلم… وتفاجأت وحزنت كثيراً لأنه لم تتسنى له الفرصة حتى لحضور الفيلم… وآخر كلماته لي كانت بأنه يثق بي وبنجاح الفيلم.

–           من خلال الأحداث في فلسطين ومن خلال معايشتك لقصة عبد، هل توقعتي النهاية للفيلم؟

أنا تابعت قصة عبد لمدة ست سنوات. وهنالك العديد من القصص المشابهة له ولكن مختلفة بحيثياتها. الإسرائيليون (المحتلون) لا يهتمون، خطتهم هي احتلال أكبر عدد من الأراضي الفلسطينية قبل الوصول للحل النهائي. بالتالي كنت أتوقع عملية الهدم ولكن ليس هدم المغارة إذ ليس من حقهم هدم مغارة فعلاً تاريخية وليست بناء حديثاً وليس فيها أي طوب حتى، الشيء الوحيد هو أنه وضع باباً لحمايته من السرقة، لأنه في أيام كثيرة كان يتعرض للسرقة من المستوطنين، والباب كان فقط بهدف الحماية الشخصية وبالتالي من وجهة نظري هذا افتراء. ولم أتوقع هذه الوحشية.

لقد توقعت وفاة عبد لأن آخر مرة رأيته بها بتاريخ 25-7-2014 كان بالمستشفى التي بات يتردد إلها أكثر من مرة في الآونة الأخيرة. أخذت تصريحاً للتصوير في المستشفي وعندما كنت هناك ابنه محمد قال لي “وفاء سكتة قلبية أصابت عبد” فحينها شعرت بأن هذا مؤشر سيء وبالذات عندما بدأت رئتاه تخزن الماء، لقد مررت بتجربة مشابهة مع والدي. لقد تعرض عبد لهذه الوعكات الصحية لأن جو الكهف كان رطوبة وهو عاش في هذه الظروف لمدة 22 سنة، فبالطبع سيتعرض جسده لهذه التدهورات الصحية، وهو مدخن ثقيل أيضا وبالإضافة إلى حياته الصعبة… كل هذه الظروف آلت لهذه النتيجة.

في حالة عبد، كنت دائماً أغير مخطط الفيلم بعد إنهائه، لأن عبد بشخصيته هو قاد أحداث الفيلم. وعندما هاتفوني ليخبروني بأن جيوش الاحتلال هدموا المغارة، تحدثت مع عبد فوراً وقال لي بأنهم لم يبقوا على شيء. كان حاقداً على السلطة التي حتى لم تحاول مساعدته. وحينها حزنت وانزعجت كثيراً لأن حالتنا فعلاً صعبة، فهو خسر حياته وزوجته وأولاده من أجل هذه الأرض. وشعرت بقهر شديد إذ هُدمت الأرض التى وهب حياته لها وقضى عمره يدافع عنها.

–           سأحدثك بصراحة، عندما كنا نشاهد الفيلم شعرتُ بأمل على الرغم من اننا نعلم جيداً بأن الاسرائيليين المحتلين قد يقومون بأي شيء بلا مبالاة، ولكن بسبب المماطلة في المحاكم في موضوع هدم الكهف صار في أمل، وكأن ليس لديهم أية حجج جديدة لهدم المغارة. ولكن الظاهر كانت هذه مجرد اجراءات، بداية يعذبونه نفسياً وجسدياً في ملاحقة الموضوع، وعندما يأسوا من هذا الأسلوب الذي لم يكسره، قرروا هدم المغارة وما حولها بدون أي مبررات “بس خلص مش زابطة معهم”. وهذا ما يحزنني لأنه يشعرني وكأنهم يضحكون علينا في البداية مثل “خلّي عندك شوية أمل وبس تيجي عآخر عمرك بنكسر ضهرك يعني… الله يرحمه”

وبالنسبة لموضوع الدفن.. ماذا حصل؟

طبعاً بحسب تقاليدنا يجب دفن الميت في نفس اليوم… وفي نفس النهار الذي توفى فيه عبد بعث لي ناشط بصور تُظهر جيوش الاحتلال محاصرين منطقة أرض عبد. وفي وقت الجنازة وهنا اقتبس زميلي الصحفي “الجيش يحاصر الأرض بعد وفاة عبد ويقول لمن ذهبوا ليحفروا القبر عند الكهف: عبد مات لماذا أنتم هنا؟”

–           هل هناك مشروع لعمل فيلم وثائقي “تحكي” النهاية الجديدة؟

مازلت أفكر في الموضوع وكنت أتناقش مع أحد الزملاء الصحفيين في دبي ونصحني بالتروّي قليلاً إذ كنت مقهورة حين سمعت الخبر وفكرت “يا رب وهو ميت حتى جسده يشكل تهديداً لهم وبالتالي فكرت أغير النهاية “. وعلى فكرة نهاية الفيلم تغيرت ثلاث مرات منذ البداية، لأنه في أول نهاية بعثت الفيلم لدبي وقلت لهم بأن النهاية ستكون بإطلاق سراح عيسى من المعتقل وبالتالي نهاية سعيدة وفيها أمل… بعد ذلك كانت النهاية الثانية وقت دخول عبد المستشفى وتدهور حالته الصحية، هنا كانت النهاية متوقعة بوصية عبد لدفنه في أرضه. وأخيراً بتاريخ 20-10-2014 غيرت النهاية لتشمل حادثة هدم الكهف.

أما الآن ومع الأحداث الأخيرة فصدقاً الموضوع مطروح بتغيير الخاتمة أو تظل على حالها.

الفيلم إهداء لروح عبد الفتاح فهو ألهمني في هذا الفيلم ويستحق كل ما يصله من نجاحات. وهذا الفيلم “راح يكون لروحه”..

 

–           نحن نعلم بأن الأفلام الفلسطينية، أو أي عمل في شيء فلسطيني بحت بواجه صعوبات بالخارج. أي قد ترفض بعض الجهات عرض أو نشر النتاج الفلسطيني، فهل واجهتِ أي مشاكل للحصول على موافقة العرض سواء بالإمارات أو خارج الإمارات؟

صراحة لأكون عادلة، مع أن هذا الفيلم يتضمن سياسة إلّا أن طاقم العمل في دبي لم يعترضوا على أي شيء. “وهنا من خلال مدونتك أوجه لهم كل التحية لأنهم فعلاً ناس رائعين وما تكرر عليّ متلهم”. في أحد أفلامي قديماً عام 2008 (حماس أسفل فلسطين) ومن دون ذكر أسماء، توجهت به لأحد المهرجانات العربية وحينها رفضوا حتى الرد عليّ. لذلك قاطعتهم وقررت بأنه لن يشرفني أن أعرض أي فيلم عندهم، سواء ذلك الفيلم أو أي عمل يتبعه لأنهم عاملوني بقلة اعتبار. بينما في مهرجان دبي فالجميع كانوا مهنيين وداعمين للقضية الفلسطينية وعندهم ولاء مثل أي فلسطيني، ولم أشعر بأي رد فعل أو تدخل بمضمون الفيلم. أمّا الآن ما المواجهات القادمة بما أنني سأبدأ العرض بالمجتمع الغربي فوقتها لكل حادث حديث، وستكونين على اطلاع إذا حصل شيء… وأتمنى أن تكون سهلة لأنني أشعر الآن بأنه من واجبي إيصال قصة عبد بعد وفاته لأكبر عدد من الناس…

 

–           من وجهة نظرك كمخرجة كيف ترين دور الأفلام بشكل خاص والثقافة والفن بشكل عام في نشر القضية الفلسطينية، وما هو مدى إيمانك بهذا النوع من المقاومة؟

لو لم أؤمن بهذا النوع من المقاومة لما كنت مخرجة أفلام وكنت اكتفيت بعملي الصحفي. ولكن ومن عمر مبكر بدأت أشعر بأن قضيتنا الفلسطينية ليست بحاجة للتقارير ولا مقالات تُبعث لوكالات أنباء عالمية. فللأسف السياسات الإعلامية بشكل عام بما يتعلق بالقضية الفلسطينية هي غير منصفة بتاتا. لذلك شعرت بأنه من خلال الأفلام لا توجد رقابة لأن أختار المشاهد إلا إذا كان المتحكم هو موضوع التمويل. وأنا بطبيعتي عنيدة فإذا كانت هنالك رسالة معينة أريد أن أوجهها من خلال الفيلم سأحرص على فعل ذلك، سواء قبل أو لم يقبل الممول، “في هناك رسالة معينة بمشيها كل مرة”.

في بعض الأفلام واجهت مشاكل معينة ولكن دائماً بطريقة ذكية نوعاً ما كنت أتوصل لاتفاقية لأحافظ على رسالتي. فأنا دائماً أشعر بأنني صاحبة رسالة. والقضية الفلسطينية بالرغم من كل هذه السنوات لم يكن الإعلام منصفاً للترويج لها، وبالتالي أؤمن بالترويج لها عن طريق الأفلام والفن والأغاني والموسيقى، وأؤمن بأن الفن ممكن أن يوصل الرسالة أقوى من أي وسيلة أخرى.

كتابة وإعداد: عبير علّان

نُشرت في صحيفة دنيا الوطن الفلسطينية الإلكترونية

http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2015/01/29/355475.html

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s