من مخيم اليرموك… رغيف خبز

من مخيم اليرموك…
رغيف خبز
أتوقف قليلاً أمام مخبز الحارة, لأسرق بعضاً من رائحة الخبز علّها تسد جوعاً خيّم علينا في شتاء قارص, وبطونكم أتخمتها الولائم والكؤوس تقدح أمام أعيننا… وسكراتكم تنسيكم قضيتنا!
فما عاد الوطن ضمن لائحة اهتماماتكم التي استبدلتموها بلائحة الأنواع المختلفة من اللحوم الفاخرة!
استبدلتم القضيّة بالكراسي… واكتفيتم برمي أعبائكم في الخيم والمخيمات… أصبح الجزء المقاوم من الشعب عالة تنغص عليكم سهراتكم…
قاموسي من الكلمات البذيئة لا يكفي سيادتكم
هل أشتمكم؟
وما الفائدة؟!
فمن لم تحرك ضميره أصوات طفل يستنجد بأمه الملقاة أمامه… والتي مازال الطفل يظن بأنها نائمة… فلن تحركه الشتائم…
 ولن تزيح مؤخرته عن الكراسي حتى عويل الكلاب!
بدأت زخات المطر  بالهطول
أيقظتني من حالة اللاوعي التي غرقت فيها
وأنا أسترق رائحة رغيف الخبز…
لم أشبع…
سرت في خطوات بطيئة… تعثرت بالحصى…
وتابعت… عائداً نحو المخيم البارد…
وما زالت زخات المطر تنخر في رأسي
والحذاء المهترئ… يزيد اهتراءً
وذلك الثقب يزداد اتساعاً ليلتهم نصيبه من الوحل اللعين على الطريق الترابيّة
آه ما أطولك يا طريق المخيم!
وما أصعبك!
رائحة الطين غطت على رائحة رغيف الخبز التي كانت أمعائي تستنجد بها لتنقذها من حالة تقشف أجهدتها منذ بضعة أيام… أو أسابيع
لا أدري
لم تعد الساعات عندنا تقاس مثلما تقيسونها
فبات معيار الوقت هنا… في مخيم اليرموك… يحسب بكم من المزيد نستطيع أن نتحمل
كم الوقت الآن؟ هو رغيف خبز إلا لقمة
وإذا سألتني عن الغد؟ سأقول لك قد يكون أرطالاً من الخبز المشتهى… وقد يكون لا شيء! فقد ننتهي…

 إلى أن يحين الغد!

أصل المخيم… ملطخاً بالطين! وشعري غارق بالمطر مثله مثل ثيابي!
أفتح الباب الخشبي المهترئ…
ألقي بجسدي المرهق على كرسي في زاوية الصالة…
أتكور
والكآبة تخيم علي
نظرات أمررها على وجه أختي…  وهي سارحة بالنظر إلى المطر
وأرى في عينيها قسوة الحياة… أرى فيهما نافذتان على أمل بعيد قريب!
وأخجل من نفسي.
تضم رأسها بين ركبتيها وتتكور كحمامة جناحيها لم تعد تقوَ على الطيران!
ثم ترفع رأسها من جديد وكأنها استفاقت من حلم قصير…
وأنا أراقبها من على هذا الكرسي الخشبي الذي بالكاد يحملني لهموم أثقلت صدري!
قطرات المطر تسيل على زجاج النافذة… ببطء مستفز… كالوقت
وكانتظار رغيف الخبز
أترقب وأنا شديد الحرص بألا تواجه عيناها عيناي
لا أستطيع… فحتى رغيف الخبز لم أستطع أن آتيها به!
حتى لو سرقة… لم أستطع!
نيران غضب تسري في عروقي الآن… غضب لن تحتويه بطونكم المنهمكة في استقبال الولائم…
لتريحوها بعد ذلك على أسرتكم… التي اتخذتم من فقرنا غطاءً لها!
واتخذتم من قلة حيلتنا وسادة لرؤوسكم اللعينة لتغوص فيها كي لا تسمع أصواتاً… ولا بكاءً… ولا حتى شعارات!
سحقاً لكم! تبا لكم! وتباً لسياسة لم تعد سياسة بل تياسة!
سحقاً لأوطانكم!
رسمتم حدوداً جديدة… وجعلتم المخيمات أوطاناً للمساكين… وأهديتمونا الوثيقة… أو ستهدونا إياها!
آه يا أختي!
أريد أن أضمك… بأن أقول لك كل شيء سيكون بخير…
ولكنني لا أقوى الكذب عليكِ… وأنت أدرى بحالنا…
يا ذات الأربعة عشر ربيعاً… كان من المفروض أن تمشي بين الحقول الآن… أن تفتحي فمك وذراعيك للمطر… لتتذوقي طعمه وأنت تنظرين للسماء…أن تركضي… أن تكوني مع صديقاتك…
لا أن تجلسي هنا
أمامي…
تنتظرين رغيف الخبز!
أطرد أفكار الحزن من رأسي الذي لا يهدأ!
أمد يدي لأسحب كتاباً ملقاً على الطاولة أمامي…
أو مشروع طاولة! فهي عبارة عن أربعة حجارة مختلفة الأشكال موزعة بطريقة موزونة لتحمل قطعة خشبيّة دائريّة, وتغطيها قطعة قماش قديمة كانت تطرزها أمي قبل أن تأخذ نصيبها من الصواريخ…
الكتاب هو رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس”… أضحك وأنا أتمعن بالعنوان… لا أقلّب صفحات ولا أحرّك ساكناً… وفقط يعلو صوت ضحكاتي… وأقول ساخراً ” لا في خزان ماء نعيش… ولا تحت المطر… كل ما نحلم به الآن هو رغيف الخبز… اللعين!”
تنظر إلي ريما مستغربة… علّها تفكر في نفسها “لقد جُنّ أخي نزار!”
ولكنها لم تكن تفكر ذلك, لأنها ضحكت فجأة… معي… وعلت أصوات ضحكاتنا معاً وهي تقول “يا لسخرية القدر!”
لحظات قليلة وما لبثتُ أن رأيت دموعها عالقة على باب عينيها… اقتربت منها, وقلت وأنا أنظر إلى خارج النافذة وأشعة الشمس تحاول اختراق شبه جدران منزل ما زال صامداً
“فعلاً من الهم ما يُضحك… وما يُبكي… ولكن لا يهمك يا ريما… سأخرج الآن… سأحضر رغيف الخبز والزيتون, وسنشرب الشاي بالنعناع. أعدك يا ريما… ولن نستنجد بعربي… لقد جرّبوهم من قبلنا أهل المخيمات القديمة… فما استجابوا لهم إلا بزيادة مخيماتهم و بسلبهم أبسط حقوقهم والهويّة… ولن نستغيث يا ريما بمؤسسات الحقوق الإنسانيّة… لأن الحال إن طال ليصل إلى هذا المستوى فهذا يدل على أنه حتى المؤسسات لم يعد بيدها حيلة… أو لم تعد موجودة أصلاً من أجل الحقوق الإنسانية بل غدت تخدم الألاعيب السياسيّة…
ريما…
انتظري يا عزيزتي هنا… سأذهب لوحدي
لأجلب ما يمدنا بمزيد من الوقت… وسأحضر الطعام…
لن أستخدم حجراً… ولن ألجأ للسلاح… سأراوغهم على طريقتي… وسأحضر لكِ بدلاً من رغيف خبز واحد… رغيفين…
فانتظري
هنا في مخيم اليرموك…
فنحن رجالاً ونساءً سنمزق الخيام بأيدينا وبإصرارنا وعنادنا… قبل أن يجعلوا منها موطناً جديداً لنا!
فانتظريني…”



بقلم عبير علّان
Advertisements

2 thoughts on “من مخيم اليرموك… رغيف خبز

  1. هيجتي المواجع فينا يا عبير .. برأيي هذا أفضل ما كتب عن أحداث المخيم على الإطلاق … بعد ما قرأت أصبحت متلهفاً لقراءة المزيد
    تقبلي تحياتي

    Like

  2. شكراً جزيلا واتمنى ان تكون باقي الكتابات أيضا ذات رسالة تترك انطباعا قويا لدى القارئ
    إن شاء الله قريبًا سينتهي مشروع الكتاب
    🙂

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s